Translate

قصة الألعاب النارية .. سحر الكيمياء


هناك العديد من الأشياء المبهرة الساحرة التي تخلب ألباب وعقول الجميع الصغار منهم والكبار على حد سواء. وتأتي على رأس تلك المبهجات الساحرة "الألعاب النارية" تلك الألعاب العلمية المبهرة التي أهدانا إياها علم الكيمياء الساحر. ولا عجب في أن صانعي الألعاب النارية كان يطلق عليهم خيميائيين أو سحرة؛ فهم يمتلكون سر العلم لسحر الأبصار، وقوة المعرفة لإرهاب الأعداء والتحكم في ذوى النفوذ. للألعاب النارية حكاية شيقة سنعرفها سوياً .. حكاية ملحمة علمية سحرية امتدت أكثر من ألفي عام، وما زالت لم تنته بعد.

بدأت تلك الملحمة السحرية بصدفة غريبة كعادة كل شيء. بدأت في الصين القديمة عام 200 ق.م تقريباً؛ حينما ألقى أحدهم بعيدان خضراء من نبات البامبو في النار، ليجد أنها انفجرت فجأة محدثة صوتاً غريباً أخاف البشر والحيوانات- وكان ذلك قبل اختراع البارود بفترة كبيرة. مما جعل الصينيون القدماء يعتقدون أن تلك الأصوات الانفجارية قادرة على إخافة وطرد الأرواح الشريرة خاصة روح "نيان" (Nian) الشريرة التي كانوا يخشونها بشدة. ومنذ ذلك الحين أصبحت عيدان البامبو المنفجرة – والتي أطلقوا عليها "باو تشك" (pao chuk) أحد طقوس احتفالات السنة القمرية لطرد الأرواح الشريرة، وجلب الخير والنماء للعام الجديد. إن السر وراء انفجار عيدان البامبو –الذي لم يعرفه الصينيون وقتها- أنها تحتوى على الكثير من الجيوب والفقاقيع الممتلئة بالهواء التي تتمدد سريعاً حال تسخينها مما يؤدي لانفجار تلك العيدان.

ظلت ألعاب "باو تشك" النارية كما هي دون تغيير قرابة ألف عام تقريباً، حتى جاء الصينيون مرة أخرى بمسحوق كيميائي سحري هو البارود. تقول الأسطورة أن اكتشاف البارود قد جاء بالطبع من صدفة حدثت لطباخ ماهر حينما ألقى ببعض "الملح الصخري" (Saltpeter) –الذي كان يستخدم لإضفاء نكهة خاصة على الأطعمة- في النار ليلاحظ نشوء لهب متوهج متميز. ومنذ ذلك الوقت حاول الخيميائيون الصينيون تجربة خلط بعض المواد كالملح الصخري والكبريت والزرنيخ والعسل سوباً للوصول للتركيبة السحرية لمادة تخرج لهباً كبيراً ومتوهجاً وحارقاً أطلقوا عليها اسم "هيو ياو" (huo yao) والذي يعني "مركب النيران".

وقد تم تدوين سر تركيبة البارود للمرة الأولى في التاريخ باللغة الصينية في حقبة "سونغ" في الفترة بين 960م و1279م. ثم قام الراهب الصيني "لي تيان" في ذات الحقبة بحشو عيدان البامبو بمسحوق البارود "مركب النيران" المكتشف حديثاً لينتج بذلك أول ألعاب نارية حقيقية. واستمر استخدام تلك الألعاب السحرية في الاحتفالات الدينية والملكية ولإسعاد الناس؛ حتى اكتشف الصينيون القوة التدميرية للبارود في القرن الرابع عشر ليتم استخدامه في صناعة صواريخ تستخدم في الحرب والقتل والإبادة. الأمر الذي تطور فيما بعد إلى صناعة القنابل والمدافع الأسلحة النارية إلى يومنا هذا؛ ليتحول بذلك سحر البارود المبهج إلى شر البارود المهلك.

انتقلت الألعاب النارية من الصين إلى العديد من الأمم الأخرى. ففي عام 1240م كتب العالم العربي المسلم "حسن الرماح" عن البارود والألعاب النارية وكيفية صناعتها؛ وقد أطلق عليها اسم "الزهور الصينية". ثم دخل البارود والألعاب النارية أوروبا للمرة الأولى عام 1292م على يد الرحالة "ماركو بولو" لدى عودته من رحلته في الشرق. وخلال عصر النهضة الأوروبية –من 1400م إلى 1500م- تطورت صناعة الألعاب النارية بشكلها الحديث. وذلك على يد الإيطاليين الذين أدخلوا بعض التعديلات الهامة في صناعة الألعاب النارية عبر الإبطاء من سرعة اشتعالها لزيادة التحكم فيها، وإضافة بعض المواد الأخرى للبارود لتوليد شرارات ذات أشكال أكثر بهجة؛ ليتحول الأمر إلى فن من الفنون لإسعاد الناس وإضفاء البهجة على احتفالاتهم. واستمر الأمر كذلك حتى عام 1730م حيث تحولت عروض الألعاب النارية الضخمة إلى احتفالات دورية في إنجلترا. ثم انتقل هذا الأمر بعد ذلك إلى أمريكا حال استقلالها لتصبح الألعاب النارية جزء من ثقافة الاحتفال بعيد الاستقلال منذ الرابع من يوليو عام 1777م.

وعلى الرغم من تقدم الأوروبيين في صناعة الألعاب النارية، إلا أن الصين ظلت صاحبة الريادة في علم هذا السحر لفترة طويلة. حتى كتب أحد السفراء الأوروبين بالصين أن الصينيين يصنعون ألعابا نارية لم يرها أحد في أوروبا من قبل. إلا أنه عام 1830م تمكن الإيطاليون من إنتاج ألعاب نارية ملونة للمرة الأولى في التاريخ. حيث أضاف الإيطاليون بعض الأملاح المعدنية لتركيبتهم الخاصة لتشتعل نيران الألعاب النارية بألوان مختلفة. حيث استخدموا أملاح السترونشيوم لخلق لون أحمر، وأملاح الباريوم للحصول على لون أخضر، وأملاح النحاس من أجل اللون الأزرق، وأملاح الصوديوم لتوليد لون أصفر، وأملاح البوتاسيوم لتعطي لوناً أرجوانياً، وأملاح الألومنيوم والمغنسيوم لإنتاج لون أبيض. بالإضافة إلى ذلك قام الإيطاليون باستخدام "كلورات البوتاسيوم" (KClO3) بدلاً من "نترات البوتاسيوم" أو "الملح الصخري" في تركيبتهم لإضفاء خواص جديدة لألعابهم النارية تجعلها أكثر اشراقاً وحيوية وبهجة.

واستمر تطوير الألعاب النارية إلى يومنا هذا عبر دمج التكنولوجيا في العروض الخاصة بها. ليستمر الاحتفاء بسحرها الخاص الذي يبهر الكبار قبل الصغار في العديد من الاحتفالات المحلية والعالمية. ولعل أقرب مثال على ذلك هو حفل افتتاح دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية 2012 بلندن. ولا تزال ملحمة الألعاب النارية في ذروتها إلى يومنا هذا لتكمل مسيرة ألفي عام من العلم والسحر شاهدة على الشغف الإنساني بالجمال وبالألعاب .. حتى ولو كانت نارية.

‏هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

مشكوووووووووووووووووور

إرسال تعليق

اشترك فى جروب اسد 2009 لتصلك أحدث الموضوعات يوميا

مجموعات Google
اشتراك في اسد 2009 منوعات
ضع البريد الإلكتروني :
زيارة هذه المجموعة